محمد بن وليد الطرطوشي

439

سراج الملوك

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ، حتى يقاد للشاة الجلحاء ، من الشاة القرناء » « 1 » . وقال أبو ذر : انتطحت شاتان عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « أتدرون فيم انتطحتا ؟ » قلت : لا أدرى . قال : « لكن الله يدري وسيقضى بينهما » « 2 » . قال أبو ذر : لقد تركنا النبي صلى اللّه عليه وسلم وما يقلّب طائر جناحيه في السماء إلا ذكّرنا منه علما . وقال أبو ذر : إن الحجر ليسأل عن نكبه إصبع الرجل . وفي الحديث الصحيح في مسلم والبخاري وغيرهما أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يأتيني أحدكم على رقبته بعير له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر ، ثم بسط لها بقاع قرقر ، فتطؤه بأظلافها ، وتنطحه بقرونها ، كلما مرت عليه أولاها عادت أخراها » « 3 » والحديث وارد في مانع الزكاة . وقال أبو الحسن « 4 » : لا تجوز المقاصّة بين البهائم ، لأنها غير مكلّفة ولا يجرى عليها القلم ، قال : وما ورد في ذلك من الأخبار ، نحو قوله ، صلى اللّه عليه وسلم : « يقتص للجلحاء من القرناء » ، ويسأل العود لم خدش العود » « 5 » . فعلى سبيل المثل والإخبار عن شدّة التّقصّي في الحساب ، وأنّه لا بد أن يقتصّ للمظلوم من الظالم . وأبى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايينى « 6 » ، قال في الجامع الجلى :

--> ( 1 ) رواه الإمام مسلم في كتاب البر والصلة والآداب ، باب تحريم الظلم ( 60 ) ورقم الحديث ( 2582 ) وقال : في الحديث تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وأما القصاص من القرناء والجلحاء فليس من قصاص التكليف ، إذ لا تكليف عليها بل قصاص مقابلة ، كما رواه البخاري في الأدب والترمذي والإمام أحمد في مسنده والحديث صحيح ، والشاة الجلحاء : الجمّاء التي لا قرن لها . ( 2 ) الحديث ذكره أهل التفسير في معرض شرح الآية السابقة : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ . . . ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ، فقد أورده القرطبي ( 6 / 422 ) ، والطبري 7 / 189 ، وابن كثير 4 / 53 ، ورواه الإمام أحمد في مسنده 5 / 162 ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رواه أبو يعلى وأحمد بنحوه وإسناده حسن . ( 3 ) هذا جزء من حديث صحيح طويل رواه البخاري في الزكاة باب إثم مانع الزكاة ، ورواه مسلم في باب إثم مانع الزكاة برقم ( 987 ) كما رواه الإمام مالك في الموطأ وأبو داود والنسائي وغيرهم . * معنى الرغاء : صوت البعير ، والخوار : للبقر ، واليعار : صوت الغنم . * وبسط لها بقاع قرقر : أي مد على وجهه أو ظهره بأرض مستوية حتى تدوسه تلك البهائم بأرجلها . ( 4 ) هو أبو الحسن الأشعري وقد سبقت ترجمته . ( 5 ) لهذه الجمل أصل في الأحاديث الصحيحة التي سبق تخريجها . ( 6 ) أبو إسحاق الأسفرايني : إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران ، عالم بالفقه وأصوله ، كان يلقب بركن الدين نشأ في ( أسفرايين ) بين ( نيسابور وجرجان ) من أشهر كتبه « الجامع » الذي أخذ منه الشيخ هذا الحكم الفقهي ، مات في نيسابور ودفن في بلده سنة 418 ه ( الأعلام 1 / 61 ) .